زيارة الأربعين: مكانتها ودلالاتها التاريخية والروحية

🟢 زيارة الأربعين مناسبة سنوية لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، بدأت مع زيارة جابر الأنصاري لقبره الشريف، وتحولت إلى مسيرة عالمية تجسد الوفاء والتضحية ومواجهة الظلم عبر التاريخ.
ما قصة زيارة الأربعين؟ جذورها التاريخية ودلالات الرقم أربعين

منصة النجف الأشرف

تُعدّ زيارة الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام) في العشرين من شهر صفر، والمعروفة بـ زيارة الأربعين، من أبرز المناسبات الدينية التي يحييها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في كل عام. وسُمّيت بهذا الاسم لأنّها توافق مرور أربعين يوماً على استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطفّ يوم العاشر من محرّم سنة 61 للهجرة.
وقد ارتبط هذا اليوم تاريخياً بزيارة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري لقبر الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، حيث تشير الروايات إلى أنّه كان من أوائل زائري قبره الشريف، بل تذكر بعض المصادر أنّه أول من زاره في يوم الأربعين. كما ورد في بعض الروايات أنّ عيال الإمام الحسين (عليه السلام) عادوا في هذا اليوم إلى كربلاء بعد رجوعهم من الشام برفقة الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، حيث التقوا بجابر عند قبر سيد الشهداء.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت زيارة الأربعين رمزاً لتجديد العهد مع مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، وإحياء أهداف نهضته القائمة على نصرة الحق ومواجهة الظلم والانحراف.
وتذكر الروايات أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري عندما وصل إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام) اغتسل بماء الفرات، ثم توجّه إلى القبر الشريف وهو يبكي، ونادى: «يا حسين» ثلاث مرات، ثم عبّر عن حزنه العميق لفقد سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وشهد له بمقامه ومنزلته قائلاً إنّه ابن خاتم الأنبياء، وابن سيد المؤمنين، وسليل الهدى، وابن فاطمة الزهراء (عليها السلام).
ثم سلّم جابر على أرواح الشهداء، وشهد بأنّهم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا في سبيل الله. وعندما سأله عطية العوفي عن معنى مشاركته لهم، مع أنّه لم يحضر القتال، أجابه جابر بقول النبي (صلى الله عليه وآله):

«من أحبّ قوماً كان معهم، ومن أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم».

وهذا يوضح أنّ الانتماء إلى الحقّ لا يقتصر على المشاركة الجسدية، بل يشمل صدق النية والارتباط بالمبادئ التي ضحّى أصحابها من أجلها.

إنّ اختيار اليوم الأربعين لم يكن أمراً عابراً، فالعدد أربعون له حضور واضح في الثقافة الدينية والإنسانية. وقد ارتبط في كثير من المجتمعات بذكرى الفقيد وتجديد العهد معه بعد مرور أربعين يوماً على وفاته.
وفي قضية الإمام الحسين (عليه السلام) يأخذ هذا المعنى بعداً أعمق، فقد وردت روايات عديدة تتحدث عن حزن السماوات والأرض والملائكة على شهادته، ومنها ما نُقل عن الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) من أنّ السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً، وأنّ آثار الحزن ظهرت في الكون وأهل بيت النبوة بعد شهادته.
ولهذا أصبحت زيارة الأربعين مناسبة سنوية لاستذكار المصاب الحسيني، وإحياء القيم التي قام من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، كما أنّ الشعراء والخطباء وجدوا في ذكر مصيبته وسيلة لترسيخ معاني التضحية والصبر والوقوف مع الحق.

أُثيرت بعض الشبهات حول أصل إحياء ذكرى الموتى وممارسة الحزن الجماعي، وادّعى البعض أنّ هذه العادات ليست من تقاليد العرب، بل دخلت عليهم من ثقافات أخرى.
إلا أنّ مراجعة كتب التراث العربي تظهر أنّ العرب عرفوا الحداد والرثاء منذ القدم، وكانوا يقيمون مجالس الحزن على موتاهم، كما عرفوا لبس الثياب السوداء في حالات المصاب. وقد ورد في اللغة العربية أنّ ثياب الحداد كانت تُسمّى بالسِّلاب، وهي الثياب السوداء التي كانت ترتديها النساء في المآتم.
أما الإسلام فلم يمنع أصل الحزن والبكاء على الميت، وإنّما نهى عن مظاهر الجزع التي تتضمن الاعتراض على قضاء الله، كشقّ الثياب ولطم الوجوه والصياح المحرّم. وقد ثبت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) بكى عند وفاة ابنه إبراهيم وقال:

«تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب».

وهذا يدل على أنّ الحزن الإنساني والبكاء على فقد الأحبة أمر طبيعي ما دام ضمن حدود الإيمان والصبر.

لقد أكّدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) على مكانة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه جعل زيارة الأربعين من علامات المؤمن، حيث قال:

«علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختّم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم».

كما وردت رواية زيارة الأربعين عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث علّم صفوان الجمّال هذه الزيارة، وبيّن فيها مكانة الإمام الحسين (عليه السلام) وفضيلة زيارته.
وقد اختلف الباحثون في مسألة عودة سبايا أهل البيت (عليهم السلام) إلى كربلاء في يوم العشرين من صفر، بين من أثبت ذلك ومن نفاه، إلا أنّ هناك اتفاقاً واسعاً على وصول الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري إلى كربلاء في هذا اليوم وزيارته قبر الإمام الحسين (عليه السلام) بعد مرور أربعين يوماً على شهادته.
وكان جابر من كبار صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد عُرف بمحبته لأهل البيت (عليهم السلام) ومعرفته بمكانتهم. لذلك لم يكن مستغرباً أن يقصد كربلاء رغم تقدّم سنّه عندما بلغه خبر استشهاد سبط النبي (صلى الله عليه وآله).
وعند وصوله إلى القبر الشريف، وقف جابر موقفاً عبّر فيه عن عمق الوفاء والولاء، فلم تكن زيارته مجرد زيارة لقبر، بل كانت إعلاناً للارتباط بمبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) ونهجه.

يظهر العدد أربعون في مواضع متعددة من القرآن الكريم والسنة النبوية، مما يدل على وجود دلالة خاصة لهذا العدد في الوعي الديني.
فقد ورد ذكر الأربعين في القرآن الكريم في مواضع عدّة، منها قوله تعالى:

﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾
(البقرة: 51)

وقوله تعالى:

﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
(المائدة: 26)

وكذلك قوله تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾
(الأحقاف: 15)

كما ورد العدد أربعون في عدد من الروايات، ومنها ما يرتبط بالحزن والبكاء على المؤمنين، فقد ورد أنّ الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً، كما ورد في الروايات أنّ السماء بكت على الإمام الحسين (عليه السلام) أربعين صباحاً.
ومن هنا يمكن فهم ارتباط زيارة الأربعين بمرور هذه المدة، فهي ليست مجرد مرور زمني، بل تحمل معنى الوفاء وتجديد الذكرى وإحياء الرسالة.

لم تكن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) أمراً سهلاً عبر التاريخ، فقد واجه الزائرون في بعض العصور التضييق والمنع، ووصل الأمر في عهد المتوكل العباسي إلى هدم القبر الشريف ومحاولة إزالة آثاره لمنع الناس من الوصول إليه.
إلا أنّ هذه المحاولات لم تمنع بقاء مكان القبر معروفاً، فقد نقلت بعض المصادر التاريخية أنّ الماء الذي أُجري على القبر بهدف طمس معالمه لم ينجح في ذلك، وأنّ بعض المؤمنين استطاعوا معرفة موضعه والعثور عليه.
وهذا يعكس المكانة الكبيرة التي احتلّها قبر الإمام الحسين (عليه السلام) في وجدان المسلمين، رغم الظروف السياسية الصعبة التي مرّت بها الأمة.

بعد زيارة جابر بن عبد الله الأنصاري لقبر الإمام الحسين (عليه السلام)، أصبحت زيارة سيد الشهداء سنّة متّبعة بين محبّي أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيّما في يوم عاشوراء وفي العشرين من صفر من كل عام.
وعلى الرغم من الظروف السياسية الصعبة التي مرّت بها الأمة الإسلامية، ومحاولات بعض الحكّام منع الناس من الوصول إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنّ هذه الزيارة بقيت مستمرة، لأنّها لم تكن مجرّد تعبير عن الحزن، بل كانت تحمل في مضمونها معاني الثورة والرفض للظلم والتمسّك بالحق.
وقد أكّد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على أهمية زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، لما تحمله من آثار روحية وتربوية، فهي تُعيد إلى الذاكرة أهداف نهضته، وتربّي الإنسان على قيم التضحية والكرامة ونصرة المظلوم.
فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج طلباً للسلطة، وإنما قام من أجل إصلاح الأمة ومواجهة الانحراف الذي أصاب الحكم والمجتمع، ولذلك بقيت زيارته وسيلة لحفظ هذه المبادئ من النسيان.
ولهذا السبب كانت بعض الأنظمة السياسية تخشى من اجتماع الناس في كربلاء، لأنها كانت تدرك أنّ اجتماعهم حول الإمام الحسين (عليه السلام) لا يعبّر فقط عن مشاعر دينية، بل يحمل أيضاً رسالة رفض للظلم والدعوة إلى العدالة والحرية.
وقد تجاوز أثر الثورة الحسينية حدود العالم الإسلامي، وألهم العديد من الشعوب التي ناضلت من أجل التحرر والكرامة. ومن الكلمات المشهورة المنسوبة إلى المهاتما غاندي قوله:

«تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر».

إنّ زيارة الأربعين ليست مجرد مناسبة زمنية مرتبطة بمرور أربعين يوماً على استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، بل هي مدرسة روحية وفكرية تتجدّد كل عام، تحمل معاني الوفاء للشهداء، والتمسّك بالقيم التي ضحّى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام).
فهي تذكير دائم بأنّ مواجهة الظلم، والدفاع عن الحق، والوقوف مع المبدأ، قيم لا ترتبط بزمن محدد، بل تبقى حاضرة في ضمير الإنسان ما دام يبحث عن العدالة والكرامة.
ومن هنا أصبحت زيارة الأربعين من أكبر مظاهر إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام)، لما تجسّده من ارتباط عميق بين التاريخ والعقيدة والرسالة الإنسانية التي حملتها نهضة عاشوراء.

لمشاهدة المزيد من المقالات

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث المنشورات

مساحة إعلانية