في مدينة النجف الأشرف، حيث تتداخل المكانة الدينية العريقة مع الموروثات الاجتماعية المتوارثة، لم يعد الحديث عن السحر والشعوذة مجرد حكايات تتناقلها الأوساط الشعبية، بعدما تحوّل في عدد من الحالات إلى وقائع أمنية وقضائية موثقة.
وفي شباط 2024، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على أحد الأشخاص بالقرب من مقبرة وادي السلام، بعد استدراجه على خلفية الترويج لأعمال شعوذة مقابل مبلغ وصل إلى 22 مليون دينار عراقي. ومع حلول كانون الثاني 2026، عادت القضية إلى الواجهة بعد إعلان الأجهزة الأمنية في النجف القبض على شخص اتُّهم بممارسة السحر والشعوذة واستغلال الاستمالة العاطفية للمواطنين، قبل أن تتجدد الوقائع في شباط 2026 مع توقيف متهم آخر اتُّهم بالترويج للشعوذة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وانتحال صفة دينية.
وفي نيسان 2026، اتخذت القضية منحى قضائياً أكثر خطورة، بعدما أصدرت محكمة جنايات النجف حكماً بالسجن ست سنوات بحق متهم استغل ادعاءات السحر والشعوذة لاستدراج فتيات لأغراض جنسية، مع غرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار عراقي.
وبين واقعة وأخرى، تكشف هذه الملفات عن تحول الشعوذة من مجرد معتقدات متداولة إلى وسيلة للاستغلال قد تتخذ أشكالاً مالية أو اجتماعية أو جنسية، في وقت تبقى فيه الادعاءات المتعلقة بالقدرات الخارقة غير مثبتة علمياً، بينما تظل الأفعال المترتبة على استغلالها واقعاً أمنياً وقانونياً يستدعي التوعية والحذر.
النجف وخصوصية الموروث الاجتماعي
تتميز النجف الأشرف بمكانة دينية وتاريخية استثنائية داخل العراق، وقد انعكست هذه الخصوصية على طبيعة المجتمع المحلي والعادات والموروثات الاجتماعية والدينية السائدة فيه.
وكغيرها من المجتمعات التي تمتلك موروثاً شعبياً متراكماً، احتفظت النجف بمجموعة من القصص والمعتقدات التي انتقلت عبر الأجيال، ومن بينها المعتقدات المرتبطة بالسحر والعين والحسد والشعوذة.
ويظهر هذا الموضوع بصورة خاصة عند الحديث عن المشكلات الزوجية، وتأخر الزواج، والخلافات العائلية، وبعض الحالات الصحية أو النفسية، إذ قد يلجأ بعض الأشخاص إلى تفسير هذه المشكلات باعتبارها نتيجة «عمل» أو «سحر تفريق» أو غير ذلك من المعتقدات المتداولة.
غير أن وجود هذه المعتقدات في الذاكرة الشعبية لا يعني بالضرورة ثبوت الادعاءات المرتبطة بها من الناحية العلمية.
هل كل مشكلة سببها السحر؟
يُعد تفسير المشكلات اليومية على أساس السحر من أكثر الجوانب حساسية في هذه القضية.
فقد يربط شخص فشل علاقة زوجية بالسحر، أو يعزو تأخر الزواج إلى «عمل»، بينما قد تُفسَّر بعض الحالات النفسية أو الصحية بأنها نتيجة للعين أو الحسد أو السحر.
لكن هذه التفسيرات لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على وجود سبب خارق للطبيعة.
ولهذا، فإن التعامل مع المشكلات الصحية أو النفسية أو الاجتماعية يتطلب أولاً البحث عن أسبابها الواقعية من خلال الأطباء والمختصين والجهات المعنية، بدلاً من تسليمها إلى أشخاص مجهولين يدّعون امتلاك قدرات استثنائية.
شباط 2024.. واقعة قرب مقبرة وادي السلام
من أبرز الوقائع التي سلطت الضوء على ظاهرة الشعوذة في النجف، القضية التي أعلنت عنها مصادر أمنية في شباط 2024، والمتعلقة بإلقاء القبض على أحد منتسبي وزارة الداخلية أثناء محاولته ممارسة أعمال شعوذة بالقرب من مقبرة وادي السلام.
وبحسب الرواية الأمنية التي نقلتها وسائل إعلام عراقية، كان المتهم يستخدم صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأعمال السحر، وتم استدراجه أمنياً بعد الاتفاق معه على تنفيذ ما وصف بأنه عمل للتفريق بين أشخاص.
وذكرت الرواية أن المبلغ المتفق عليه بلغ 22 مليون دينار عراقي، فيما ضبطت القوات الأمنية بحوزته مواد وأوراقاً وسوائل وشموعاً ومواد أخرى قيل إنها تستخدم في أعمال الشعوذة.
وتكشف هذه الواقعة عن جانب مهم من الظاهرة، يتمثل في تحويل المعتقدات والخوف من السحر إلى وسيلة للحصول على مبالغ مالية كبيرة.
كما أن وقوع الحادثة بالقرب من وادي السلام لا يعني أن المقبرة نفسها مرتبطة بالسحر أو الشعوذة، وإنما يشير إلى محاولة استغلال المكان ذي الرمزية الدينية في ممارسة ادعاها المتهم.

كانون الثاني 2026.. القبض على متهم بممارسة الشعوذة
وبعد نحو عامين، عادت القضية إلى الواجهة في كانون الثاني 2026، عندما أعلنت الأجهزة الأمنية في النجف القبض على شخص اتُّهم بممارسة السحر والشعوذة و«الأعمال المنحرفة».
ووفق ما نقلته وسائل إعلام عراقية عن مديرية استخبارات ومكافحة الإرهاب في النجف، جرى ضبط مواد داخل منزل المتهم قالت السلطات إنه كان يستخدمها في هذه الممارسات.
وأشار البيان كذلك إلى أن المتهم كان يستغل الاستمالة العاطفية للمواطنين، وهو ما يضيف بعداً آخر إلى القضية، إذ لا يتعلق الأمر بالمعتقدات فحسب، بل بأساليب يمكن أن تستهدف الأشخاص في حالاتهم النفسية والعاطفية.
شباط 2026.. الشعوذة تنتقل إلى مواقع التواصل
وفي شباط 2026، أعلنت شرطة النجف القبض على متهم آخر اتُّهم بالترويج لأعمال السحر والشعوذة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وانتحال صفة دينية بهدف التأثير في المواطنين.
وتشير هذه الواقعة إلى تغير الوسائل المستخدمة في الترويج لهذه الممارسات؛ فلم يعد الأمر مقتصراً على اللقاءات المباشرة أو المجالس الخاصة، بل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة للوصول إلى أشخاص يبحثون عن حلول لمشكلاتهم.
وقد تبدأ العلاقة بين الضحية ومن يدّعي ممارسة الشعوذة من خلال إعلان أو منشور أو رسالة خاصة، قبل أن تتطور إلى طلب الأموال أو المعلومات الشخصية أو اللقاءات المباشرة.
نيسان 2026.. حكم بالسجن ست سنوات
وفي نيسان 2026، أخذت القضية منحى قضائياً أكثر خطورة، بعدما أصدرت محكمة جنايات النجف حكماً بالسجن لمدة ست سنوات بحق متهم استخدم ادعاءات السحر والشعوذة لاستدراج فتيات لأغراض جنسية.
وبحسب المصدر الأمني الذي نقلت عنه شفق نيوز، تضمن الحكم أيضاً غرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار عراقي، وصدر القرار استناداً إلى المادة الثالثة من قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي رقم 8 لسنة 1988 المعدل.
وتبرز هذه القضية بصورة واضحة أن الخطر لا يكمن في الادعاء بوجود السحر فحسب، وإنما في الأفعال التي قد تُرتكب تحت غطائه، ولا سيما عندما يتحول إلى وسيلة لاستغلال الضحايا أو ابتزازهم.

لماذا يلجأ بعض الناس إلى المشعوذين؟
تختلف دوافع اللجوء إلى المشعوذين من شخص إلى آخر.
فالبعض يلجأ إليهم بسبب مشكلات عاطفية أو زوجية، فيما يبحث آخرون عن حلول لتأخر الزواج أو الخلافات الأسرية، بينما يربط آخرون بعض الأعراض الصحية أو النفسية بالحسد أو العين أو السحر.
وتساهم الأزمات الشخصية والاجتماعية، إلى جانب ضعف الوعي والحاجة إلى حلول سريعة، في جعل بعض الأشخاص أكثر عرضة لتصديق الوعود التي يقدمها المشعوذون.
وتكمن الخطورة في أن الشخص الذي يعيش أزمة قد يكون مستعداً لدفع مبالغ مالية كبيرة أو تقديم معلومات شخصية مقابل وعد بالخلاص من المشكلة.
من الاعتقاد إلى الاحتيال والاستغلال
تتحول الشعوذة إلى ظاهرة أكثر خطورة عندما تصبح وسيلة لتحقيق مكاسب مادية أو ممارسة الابتزاز.
وقد يقدم بعض الأشخاص أنفسهم باعتبارهم «معالجين روحانيين» أو أصحاب قدرات خاصة، ويعدون الضحايا بفك الأعمال أو حل المشكلات الزوجية أو إعادة العلاقات أو جلب الحظ.
وفي هذه الحالات، لا يعود الأمر متعلقاً بالمعتقد الشخصي فقط، وإنما يدخل في نطاق الاستغلال عندما يحصل الشخص على الأموال بالخداع أو يستخدم معلومات الضحية للضغط عليه.
كما أن طلب الصور الخاصة أو التسجيلات أو المعلومات الشخصية يمثل مؤشراً خطيراً، خصوصاً إذا كان مقروناً بتهديد الضحية أو ابتزازها.
ما موقف القانون العراقي؟
من الناحية القانونية، لا يتضمن القانون العراقي نصاً خاصاً يجرّم السحر والشعوذة بحد ذاتهما، إلا أن الأفعال المرتبطة بهذه الممارسات قد تندرج تحت جرائم أخرى، خصوصاً عندما تتضمن الاحتيال أو الابتزاز أو الاعتداء أو استغلال الضحايا.
ويشير مجلس القضاء الأعلى إلى إمكانية تطبيق المادة 456 من قانون العقوبات العراقي في بعض حالات الاحتيال المرتبطة بهذه الممارسات.
وبذلك، فإن المسؤولية القانونية لا تقوم على مجرد ادعاء الشخص ممارسة السحر، وإنما على الأفعال التي ارتكبها فعلياً، مثل الحصول على الأموال بالخداع أو استغلال الضحية أو ارتكاب أفعال مجرّمة بموجب القانون.
وادي السلام.. بين القدسية واستغلال المعتقدات
تحظى مقبرة وادي السلام بمكانة دينية وتاريخية كبيرة في النجف، ولذلك فإن ربط اسمها بحوادث الشعوذة يحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
فالواقعة الأمنية التي حدثت بالقرب من المقبرة لا تعني أن وادي السلام مكان لممارسة السحر، وإنما تعكس، وفق الرواية الأمنية، محاولة شخص استغلال مكان ذي رمزية دينية في ممارسة أعمال ادعى القيام بها.
وهنا يظهر أحد أخطر جوانب الدجل، إذ قد يستغل بعض الأشخاص الرمزية الدينية أو ثقة المجتمع بالمكان لإضفاء مصداقية على ممارسات لا تستند إلى دليل علمي.
بين المعتقد والواقع
يبقى السحر والشعوذة موضوعاً حساساً لتداخله مع المعتقدات الدينية والاجتماعية.
غير أن التمييز بين الإيمان الشخصي وبين الدجل والاستغلال يظل ضرورياً، خصوصاً عندما يستخدم شخص ما الخوف أو الدين أو المشكلات الشخصية للسيطرة على الآخرين.
فالوقائع التي شهدتها النجف خلال عامي 2024 و2026 لا تثبت وجود قوى خارقة، لكنها تثبت وجود حالات واقعية من الترويج للشعوذة واستغلالها في الاحتيال أو الاستدراج أو ارتكاب أفعال مجرّمة.
وهذا هو الجانب الذي يمكن التعامل معه أمنياً وقانونياً، بعيداً عن الجدل العلمي أو الديني حول حقيقة السحر.
كيف يمكن حماية المجتمع؟
تبدأ مواجهة الدجل برفع مستوى الوعي، وعدم تصديق الوعود التي يقدمها أشخاص يدّعون امتلاك قدرات خارقة.
كما ينبغي عدم دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل وعود غير قابلة للإثبات، وعدم إرسال صور أو معلومات شخصية إلى أشخاص مجهولين، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي الحالات التي تتعلق بالمرض أو الاضطرابات النفسية أو المشكلات الأسرية، يبقى اللجوء إلى المختصين والجهات الرسمية أكثر أماناً من تسليم المشكلة إلى أشخاص مجهولين.
أما في حالات الاحتيال أو الابتزاز أو التهديد، فإن إبلاغ الجهات الأمنية والقانونية يمثل الخطوة الأهم لحماية الضحية ومنع تكرار الاستغلال.
الخلاصة
تكشف الوقائع المسجلة في النجف خلال السنوات الأخيرة أن قضية السحر والشعوذة تتجاوز أحياناً حدود المعتقدات الشعبية لتتحول إلى قضية أمنية واجتماعية وقضائية.
فمن واقعة الـ22 مليون دينار قرب وادي السلام عام 2024، إلى توقيف متهمين بالترويج للشعوذة واستغلال المواطنين في عام 2026، وصولاً إلى صدور حكم بالسجن ست سنوات بحق متهم استغل هذه الادعاءات لاستدراج فتيات، تتضح صورة مختلفة عن مجرد الحكايات المتداولة.
وفي نهاية المطاف، فإن الخطر الأكثر وضوحاً لا يتمثل في الادعاءات المتعلقة بالقدرات الخارقة، التي لا يثبتها الدليل العلمي، وإنما في استغلال الخوف والحاجة والمعتقدات لخداع الناس وسلب أموالهم أو ابتزازهم أو تعريضهم لأضرار اجتماعية وجنائية.